أحمد بن محمود السيواسي
14
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
[ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 23 ] وَقَضى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلاً كَرِيماً ( 23 ) ( وَقَضى رَبُّكَ ) أي وحكم أمرا مقطوعا به أو أوصى ربك ( أن ) أي بأن ( لا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ) أي لا توحدوا أحدا إلا اللّه ( وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً ) أي وأمر برابهما وعطفا عليهما ( إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ ) « إن » شرطية زيدت عليها « ما » تأكيدا لها ، ولذلك دخلت النون المؤكدة في الفعل ، ولو أفردت عن ما لم يصح دخول النون في الفعل « 1 » ، لا تقول إن تضربن زيدا أضربك ، قرئ « يبلغان » بالألف والتثنية والتشديد لذكر الوالدين قبله فيكون ( أَحَدُهُما ) بدلا من ألف الضمير الراجع إلى « الوالدين » ( أَوْ كِلاهُما ) عطف على « أَحَدُهُما » ، وقرئ « يبلغن » على التوحيد والتشديد « 2 » ، وفاعله « أَحَدُهُما » ، وكلاهما عطف عليه ، أي إن بلغ أحد الأبوين الهرم عندك أو كلا الأبوين ( فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ ) بالكسر مع التنوين للتنكير ، وبالفتح وبالضم بلا تنوين « 3 » ، وقدر فيه التعريف وهو اسم سمي به الفعل فبني ، ومعناه : التضجر ، أي لا تتضجر عند خروج مكروه منهما وإماطة البول في الخلا عنهما كما كانا « 4 » يميطانه عنك صغيرا أو « لا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ » قولا رديا ( وَلا تَنْهَرْهُما ) أي ولا تغلظ عليهما بالقول ( وَقُلْ ) بدل التأفيف والنهر ( لَهُما قَوْلًا كَرِيماً ) [ 23 ] أي لينا حسنا عريا عن اللغو . [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 24 ] وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً ( 24 ) ( وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ ) من باب إضافة حاتم إلى الجود ، أي ألن لهما جناحك الذليل بالإصغاء إليهما وتواضع أو لا ترفع عليهما يدك تعظيما لهما وتحسينا للأدب ( مِنَ الرَّحْمَةِ ) أي من الشفقة لهما ( وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما ) أي اجعل رحمتهما في قلبي حتى أربيهما ( كَما رَبَّيانِي صَغِيراً ) [ 24 ] وادع لهما بشرط الإسلام أو بالهداية والإرشاد ، قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « رضا اللّه في رضاء الوالد وسخطه في سخط الوالد » « 5 » ، وقال عليه السّلام : « لا يدخل الجنة منان ولا عاق ولا مدمن خمر » « 6 » ، وقال عليه السّلام : « الوالد أوسط أبواب الجنة فحافظ إن شئت أو ضيع » « 7 » ، قيل « بر الوالدين » : « أن لا تقوم إلى خدمتهما وأنت كسل » « 8 » . [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 25 ] رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً ( 25 ) ثم خاطب بخطاب عام ( رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ ) أي في ضمائركم من بر الوالدين وعقوقهما ( إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ ) أي بارين بالوالدين محسنين إليهما ، ثم صدر منكم ما يؤدي إلى أذاهما ثم أبتم إلى اللّه بالاستغفار منه ( فَإِنَّهُ ) أي اللّه ( كانَ لِلْأَوَّابِينَ ) أي الراجعين إليه بالتورية من الذنوب إلى طاعته ( غَفُوراً ) [ 25 ] قيل « الأواب » : « هو الذي يذنب ثم يرجع عن ذنبه ويتوب » « 9 » ، وقيل « الأوابون » : « هم الذين يصلون صلاة الضحى » « 10 » ، قال عليه السّلام : « صلاة الأوابين إذا رمضت الفصال من الضحى » « 11 » ، أي إذا فرت من حرها إلى ظل أمها ، وقيل : « هم الذين يصلون بين المغرب والعشاء » « 12 » ، فان الملائكة تحف بهم .
--> ( 1 ) فإنك ، + م . ( 2 ) « يبلغن » : قرأ الأخوان بألف ممدودة مدا مشبعا بعد الغين وكسر النون ، والباقون بغير ألف مع فتح النون . البدور الزاهرة ، 185 . ( 3 ) « أف » : قرأ المدنيان وحفص بكسر الفاء منونة ، وابن كثير وابن عامر ويعقوب بفتح الفاء بلا تنوين ، والباقون بكسرها بلا تنوين . البدور الزاهرة ، 185 . ( 4 ) كانا ، س : كان ، ب م . ( 5 ) رواه الترمذي ، البر ، 3 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 3 / 490 . ( 6 ) روى النسائي نحوه ، الزكاة ، 69 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 3 / 490 . ( 7 ) أخرجه الترمذي ، البر ، 3 ؛ وابن ماجة ، الطلاق ، 36 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 3 / 490 . ( 8 ) عن الفضل بن عياض ، انظر الكشاف ، 3 / 176 . ( 9 ) عن سعيد بن جبير ، انظر السمرقندي ، 2 / 265 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 3 / 491 ( عن سعيد بن المسيب ) . ( 10 ) عن عون العقيلي ، انظر البغوي ، 3 / 491 . ( 11 ) رواه مسلم ، مسافرين ، 143 ، 144 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 3 / 491 . ( 12 ) عن محمد بن المنكدر ، انظر البغوي ، 3 / 491 ؛ وانظر أيضا السمرقندي ، 2 / 265 .